الموهوبون هم الثروة الحقيقية في أي مجتمع،
بل كنوزه الفعلية، إذ عن طريقهم يتوافر للدولة ما تحتاج إليه من رواد الفكر والعلم
والفن الذين يفيدونها في شتي مجالات التطور والحياة. (زحلوق، 2001) كما أن الاهتمام بهذه الفئة يعد حتمية حضارية يفرضها التحدي العلمي والتكنولوجي،
وهو يدل على مدى وعي الدولة بدورها، وإدراكها لمدى أهمية التعرف على هؤلاء
الأفراد الموهوبين ورعايتهم. (الفقي، 1983).
ولقد أدركت المجتمعات منذ زمن بعيد أهمية الكشف عن ذوي القدرات العالية المتميزة من أفرادها، وتنمية
تلك القدرات، لإعداد العناصر القيادية المؤهلة للنهوض بمجتمعاتها إلى المستويات
الحضارية المرموقة. ولعل ما قامت به الإمبراطورية الصينية عام 2200 قبل الميلاد
تقريباً، من وضع نظام دقيق لاختيار الأطفال المتميزين وتوفير البرامج المناسبة
لهم، لدليل على الجهود المبكرة في هذا المجال. (الشخص، 1990 ؛ أبونيان والضبيان، 1997).
ولقد كان للمسلمين دورهم منذ ظهور الإسلام في تحري القدرات الخاصة من بين أبناء المسلمين ورعايتها، فقد
أشار (مرسي، 1992) إلى أن الإسلام قد سبق الصيحات الحديثة في التنبيه إلى أهمية النبوغ، وفي
الحث على رعاية النابغين، وفي بيان فضلهم في ازدهار مجتمعاتهم اجتماعياً
واقتصادياً وحضارياً.
وقد أثبتت البحوث والدراسات العلمية أن هناك ما نسبته بين 2-5% من الناس يمثلون المتفوقين
والموهوبين، حيث يبرز من بينهم صفوة العلماء والمفكرين والمصلحين والقادة والمبتكرين
والمخترعين، والذين اعتمدت الإنسانية منذ أقدم عصورها في تقدمها الحضاري على ما تنتجه
أفكارهم وعقولهم من اختراعات وإبداعات وإصلاحات. (القاطعي وآخرون، 2000).
وقد بدأ الاهتمام بالحاجات الإرشادية للطلاب الموهوبين والمتفوقين متأخراً بأكثر من ثلاثة عقود
عن بداية الاهتمام بحاجاتهم التربوية أو التعليمية. ويعود الفضل بداية في
إثارة الاهتمام بحاجاتهم الإرشادية، للباحثة والمربية ليتا هولينغويرث
Hollingworth التي وصفها جوليان
ستانلي Stanley من جامعة
جونز هويكنز بأنها الحاضنة والأم لحركة تعليم الطفل الموهوب والمتفوق في الولايات المتحدة الأمريكية.
كما
ساهمت دراسات هولينغويرت وأبحاثها في تسليط الأضواء على فئة الطلبة الموهوبين والمتفوقين كإحدى
الفئات التي تنتمي لمجتمع ذوي الحاجات الخاصة من الناحيتين التربوية والإرشادية.
ومنذ عام 1950 بدأ تأسيس مراكز الإرشاد وتطوير البرامج الإرشادية للطلبة الموهوبين والمتفوقين
وعائلاتهم في الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن قضايا الإرشاد لم تشغل حيزاً
يتناسب مع أهميتها في برامج تعليم الموهوبين والمتفوقين، ولم ينظر إليها بجدية حتى بداية
الثمانينات من القرن العشرين. ومن المتوقع – في ضوء المؤشرات الراهنة – أن يزداد
الاهتمام بالحاجات الإرشادية لهؤلاء الطلبة مع ازدياد التقدم في برامج تعليمهم
ورعايتهم. (جروان، 1999
؛ جروان، 2000).
بالرغم من أن الدراسات التي أعدها تيرمان Terman 1992، وهولنجورث Hollingworth1923، 1931، و1942، قد أشارت إلى أن الصفات الجسمية للموهوبين وقدرتهم العقلية تساعدهم على أن يكونوا
أكثر قوة في الكفاح ومواجهة مشكلاتهم الشخصية بشيء من الذكاء، فإن كثيراً منهم
تقابلهم مشكلات معقدة خلال مواقف الحياة. (عبد الغفار، 1977).
ويؤكد شيفل ( 1965) على نتائج تلك الدراسات، فقد أشار إلى أنه بالرغم من أن الذكاء المرتفع لهؤلاء
الطلاب يعطيهم قوة تبصر تساعدهم على حل مشكلاتهم، إلا أنهم غالباً ما يكون إحساسهم
العميق هو السبب الذي يجعلهم يواجهون مشكلات لا يقابلها العاديون. (السمادوني، 1990).
إن الطفل الموهوب قد يواجه كثيراً من الصعوبات والمشكلات التي قد تحول حياته أمراً عسيراً،
وتدفعه أحياناً إلى سوء التوافق الاجتماعي، وقد ينتابه القلق والتوتر الشديد أحيانا أخرى.
وإذا كنا نرغب في مساعدة الطفل الموهوب لكي يحتل مكانه في الحياة، ولكي يصبح
رجلاً ناجحاً وسعيداً، فجدير بنا أن نتفهم المشاكل التي يحتمل أن يواجهها، والتي
يتحتم علينا كآباء ومدرسين ومرشدين ومسئولين أن نواجهها معه خلال سنوات الطفولة
والمراهقة. والمشكلة
الأساسية هي كيف يتعلم الطفل الموهوب مقابلة هذه المشكلات والمضايقات التي قد تنشأ من
تباعده أو انشقاقه عن المألوف. (حبيب، 2000).
وبما أن المشكلات والإحباطات البيئية التي يواجهها الموهوب من شأنها أن تعرقل نمو استعداداته
وتكفها، لذا فقد يكون من شأن إلقاء الضوء على بعض هذه المشكلات وبيان سبل السيطرة
عليها، إثارة لانتباه المهيمنين على أمور التنشئة الاجتماعية والتربية
والتعليم والخدمة النفسية إلى ضرورة تهيئة البيئة المنزلية والمدرسية وتحسين خدماتهم وطرائق
تعاملهم مع الطفل الموهوب، بالكيفية التي تساعده على استثمار طاقاته وتنميتها إلى أقصى
ما يمكنها الوصول إليه.
إن غياب الرعاية النفسية للطفل الموهوب المتمثل في عدم تهيئة المناخ الذي يؤمن صحته
النفسية، هو مما يؤدي إلى ضمور موهبته وطمس معالمها، بل ربما يؤدي إلى انحرافها عن الطريق
المنشود لتأخذ مساراً آخر له مضاره على الطفل والمجتمع على حد سواء. لذا تستمد هذه
الدراسة أهميتها من خلال محاولتها التعرف على أهم المشكلات التي تواجه الطلاب
الموهوبين ومدى اختلافها وتباينها بتباين بعض المتغيرات، وما يستوجبه ذلك من
توجيه الاهتمام إلى الخدمات الإرشادية، كخدمات أساسية ضمن البرامج المقدمة للطلاب الموهوبين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق